
في إطار الاهتمام بتوثيق المحطات الوطنية المفصلية وتخليد إنجازات رجالات الوطن، يبرز النصب التذكاري لأبطال الحرس الملكي الذين تمكنوا من بلوغ قمة جبل إيفرست بوصفه أحد أبرز المشاريع الفنية الوطنية ذات البعد الرمزي والتاريخي.
ويجسد هذا الصرح الفني معاني العزيمة والإصرار، ويعكس مستوى الاحتراف والدقة في تنفيذ الأعمال النحتية الكبرى التي تخلّد البطولات الوطنية في الفضاء العام.
ويأتي هذا العمل بوصفه مشروعًا متكاملًا يجمع بين القيمة الفنية والرسالة الوطنية، حيث نفذه رئيس جمعية البحرين للفن المعاصر الفنان التشكيلي والنحات خليل المدهون وفق رؤية مدروسة تراعي المكان وأهميته الجغرافية، وتستحضر الحدث بوصفه إنجازًا وطنيًّا يستحق التوثيق والبقاء، ليشكل النصب إضافة نوعية إلى المشهد الثقافي والفني في مملكة البحرين.
بداية المشروع
وفي حوار خاص ومطول لـ “البلاد” عن تفاصيل تنفيذ النصب التذكاري الوطني لأبطال الحرس الملكي “أبطال قمة إيفرست”، تحدّث خليل المدهون عن بداياته مع النصب الميدانية الوطنية، مؤكدًا أن انطلاقته الأولى كانت من خلال تنفيذ عمل نحتي خاص داخل الحرس الملكي، استغرق إنجازه 22 يومًا، ونُفذ من خامة الرخام، وتمثل العمل في «خوذة جندي» احتوت على آيات قرآنية وبعض العبارات الرمزية، ونُصب بالقرب من أحد أعمال الحرس الوطني، ليكون هذا المشروع بمثابة التجربة الأولى في مسيرته مع النصب الوطنية.
وأضاف المدهون أنه عقب تنفيذ نصب “الخوذة”، تم العمل على عدد من الدروع التذكارية، وظل خلال تلك المرحلة على تواصل مستمر مع الحرس الملكي، حيث بدأت تتبلور لديه فكرة أكبر تتجاوز الأعمال التذكارية المحدودة.
وأوضح أنه عرض في عام 2016 فكرة تنفيذ نصب ميداني وطني ضخم يجسد الجندي البحريني وقوة دفاع البحرين، باعتبارها رمزًا للقوة والعطاء والانتماء الوطني، وبعد سنوات من طرح الفكرة، تلقى في مايو 2022 اتصالًا من الحرس الوطني لإحياء هذا «الحلم»، حيث تم عقد اجتماع رسمي في معسكر الروضة مع العميد ركن خالد الدوسري لمناقشة تصميم نصب وطني مخلّد لأبطال الحرس الملكي من الجنود البحرينيين الذين تسلقوا قمة جبل إيفرست، والذين حظوا بشرف الحديث مع جلالة الملك المعظم.
دراسات فنية
وأشار المدهون إلى أنه بدأ فورًا في إعداد دراسات فنية وبصرية موسّعة، شملت دراسة الصور المرجعية، والاطلاع على الجوانب الثقافية والفنية والرمزية لقمة جبل إيفرست، بهدف تقديم أكثر من تصور فني للنصب، كما قام بزيارة موقع المشروع في 14 مايو 2022 لدراسة المكان من حيث الفضاء البصري والبيئة المحيطة، ورسم عدة تصورات أولية قبل الاستقرار على الصيغة النهائية.
وبيّن المدهون أنه قدم 3 نماذج فنية للنصب، وتم العمل على تنفيذ نموذج أولي، مع التركيز على أن يكون العمل بمستوى يليق بحجم ومكانة مملكة البحرين، وأن يصمد لعقود طويلة، وقد تم اعتماد خامة النحاس بوزن يقارب 30 طنًّا، فيما اعتكف الفنان المدهون في مرسمه لفترة مكثفة لتصميم التكوين الشامل ثلاثي الأبعاد، حيث استغرقت دراسة الفكرة أسبوعًا كاملًا، كما أشار إلى عرض المشروع على عدد من رجال الدين فيما يخص مسألة تجسيد الشخصيات من الناحية الشرعية.
وأضاف المدهون أنه بعد الحصول على الموافقات الرسمية، بدأ العمل الفعلي، حيث سافر في الشهر الأول إلى جمهورية مصر العربية لدراسة المشروع من جميع الجوانب اللوجستية والفنية، مؤكدًا أن اختيار مصر جاء لامتلاكها ورشاً كبرى قادرة على تنفيذ مشاريع ضخمة، إذ تم العمل داخل ورشة بمساحة 1200 متر مربع، أشبه باستوديو سينمائي متكامل.
وأوضح أنه تم تشكيل فريق عمل يعمل بمعدل 12 ساعة يوميًّا، بالتعاون مع البروفيسور أسامة السرور، المستشار الثقافي الأسبق في الحكومة المصرية، والذي صمم ونفذ أكثر من 90 نصبًا ميدانيًّا في دول مختلفة، حيث تم وضع خطة دقيقة لتنفيذ نحت 12 شخصية من الجهتين، بحيث يعمل 12 نحاتًا على كل شخصية، وبدأ التنفيذ الفعلي في 5 نوفمبر 2023، بعد تجهيز الورشة بكافة المستلزمات الفنية واللوجستية، حيث بلغ عدد المشاركين في المشروع قرابة 200 فرد، من نحاتين ومهندسين ومصممين ومصورين وإداريين، واستغرق التنفيذ نحو 15 شهرًا.
مرحلة التنفيذ
وأشار المدهون إلى أن العمل بدأ باستخدام خامة الجبس، حيث جرى تخطيط الأرضية للنصب وبناء الهيكل الخشبي، تزامنًا مع اجتماعات مع مصانع البرونز لمواجهة بعض المتغيرات في أسعار الخامات، واستمرت أعمال النحت المتواصلة لمدة ثلاثة أشهر، قبل اعتماد نحت 24 جهة تمثل 12 شخصية رئيسة.
وعن موقع النصب، أوضح المدهون أنه يقع في منطقة تُعد حاضنة لرجالات قوة دفاع البحرين، وفي ميدان يتمتع بأهمية جغرافية وبصرية كبيرة، لذلك جرى تصميم العمل الفني ليجسد لحظة تاريخية خالدة، من خلال تكوين يضم مجموعة من الأبطال في وضعيات وهيئات مختلفة، منفذ من خامة البرونز المعمرة، كما تمت دراسة حجم النصب والقاعدة بدقة ليتناسب مع الفضاء المفتوح، وليوفر حماية للصرح وسهولة رؤية جمالية للمارة.
وتطرق إلى مراحل صناعة القوالب باستخدام اللدائن والألياف الطبيعية، مؤكدًا أنها من أدق وأهم المراحل، وتتطلب عمالة محترفة ومتخصصة.
وأوضح أن الوجه الواحد للعمل احتاج إلى أكثر من 340 قطعة قالب، وأن العدد الإجمالي للقطع بلغ نحو 700 قطعة، تمر جميعها بمراحل متعددة تشمل التشميع، الصب، القولبة، صب البرونز، التشطيب، التجميع، اللحام، ثم الإخراج النهائي والبتينة اللونية.
وعن الشحن والنقل، قال المدهون إن النصب شُحن على خمسة أجزاء عبر سيارات شحن خاصة، مرورًا بالبحر الأحمر باستخدام العبّارة، ثم برًّا عبر المملكة العربية السعودية وصولًا إلى البحرين، في رحلة استغرقت 28 يومًا.
مرحلة التشريح
وفي سياق آخر، أوضح المدهون أنه تم الاستغناء عن أحد مساعدي النحت بعد تزكيته للعمل ضمن الفريق، لعدم امتلاكه مستوى تشريحيًّا يرقى لحجم عمل وطني بهذه الأهمية، وذلك حفاظًا على جودة العمل، وبقرار من المشرف العام على التنفيذ في مصر.
وفنّد المدهون الادعاءات التي أطلقها أحد الأشخاص العرب بشأن تنفيذ العمل، مؤكدًا أنه تم الرد عليها عبر المنصات الرقمية، وتوضيح الصورة الحقيقية للرأي العام في البحرين، وكذلك للمجلس الوطني للفنون، موضحًا أن جودة التشريح الفني لم تكن بالمستوى المطلوب، وأن الأمانة والدقة عنصران أساسيان في أي عمل وطني.
تجميل البحرين
وأكد المدهون طموحه في تنفيذ المزيد من الأعمال الفنية بالتعاون مع وزارة شؤون البلديات والزراعة، بهدف تجميل البحرين، متمنيًا أن تصبح العاصمة المنامة مدينة ثقافية تحتضن النصب التذكارية والميادين المخصصة للشخصيات الوطنية.
وعن تمثال سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، مستشار الأمن الوطني وقائد الحرس الملكي، أوضح أن فكرة تنفيذ تمثال نصفي جاءت باقتراح من العميد الركن خالد الدوسري، الذي تابع النصب الوطني بشكل شخصي، وقد نُفذ التمثال في مصر بطلب وإشراف من العميد الركن خالد الدوسري، وتم تنفيذه كعمل برونزي متحفي يتميز بدقة التفاصيل في الملامح والزي العسكري والأوسمة، ليكون بصمة فنية وتذكارًا وطنيًّا خالدًا.
وأشار إلى أن النصب التذكاري الوطني لأبطال الحرس الملكي «أبطال قمة إيفرست» تكوّن من 007 قطعة على مساحة 003 متر مربع، ليعكس إصرار وصمود الجنود البحرينيين الذين تحدّوا الظروف القاسية وبلغوا القمة.
أعمال مستقبلية
وفي ختام حديثه، بين المدهون عن عدد من المشاريع المستقبلية، من بينها مقترحات لنصب وتماثيل لشخصيات تاريخية ووطنية، مشيرًا إلى انتهائه من إعداد دراسة علمية حول المتغيرات الاجتماعية وتأثيرها على اتجاهات التصوير البحريني المعاصر، منذ ما قبل النفط وحتى اليوم.
وأعرب عن طموحه لإنشاء تمثال للرائد فرانك هولمز «أبو النفط» مكتشف النفط في البحرين، وتمثال لأول للمهندس البحريني صلاح الدين بن حسن، إلى جانب تزيين العاصمة المنامة بعدد من الأعمال النحتية، بالتعاون مع الجهات الرسمية ذات العلاقة.
وأكد المدهون امتلاكه للردود الشرعية المتعلقة بمسألة الحلال والحرام في صناعة التماثيل الوطنية، مشيرًا إلى خبرته السابقة في تنفيذ تماثيل في روسيا لشخصيات ثقافية بارزة، من بينها الخطاط أبو علي بن مقلة الشيرازي، والشاعر الجارود العبدي، إضافة إلى عمله الحالي على إنجاز تمثال للشاعر طرفة بن العبد.
الجذير بالذكر أن مشروع النصب التذكاري لأبطال الحرس الملكي “أبطال قمة ايفرست” من متابعة اللواء الركن حمد النعيمي، وإشراف عام العميد الركن خالد الدوسري، وفكرة المقدم ركن خالد العجمان، وعمل الفنان خليل المدهون.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.
